أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
460
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
واحدا فقال : « يأبى بمعنى يكره ، ويكره بمعنى يمنع ، فلذلك استثنى ، لما فيه من معنى النفي ، والتقدير : يأبى كلّ شيء إلا إتمام نوره » . قوله تعالى : وَيَصُدُّونَ : يحتمل أن يكون متعديا أي : يصدون الناس ، وأن يكون قاصرا ، كذا قال الشيخ . وفيه نظر لأنه متعدّ فقط ، وإنما يحذف مفعوله ، ويراد أو لا يراد كقوله : « كُلُوا وَاشْرَبُوا » * . قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الجمهور على قراءته بالواو . وفيها تأويلان : أحدهما : أنها استئنافية ، و « الَّذِينَ » مبتدأ ضمّن معنى الشرط ؛ ولذلك دخلت الفاء في خبره . والثاني : أنه من أوصاف الكثير من الأحبار والرهبان ، وهو قول عثمان ومعاوية ، ويجوز أن يكون « الَّذِينَ » منصوبا بفعل مقدر يفسّره « فَبَشِّرْهُمْ » وهو أرجح لمكان الأمر . وقرأ طلحة بن مصرف « الذين » بغير واو ، وهي تحتمل الوجهين المتقدمين ، ولكنّ كونها من أوصاف الكثير من الأحبار والرهبان أظهر من الاستئناف عكس التي بالواو . والكنز : الجمع والضم ، ومنه ناقة كناز أي : منضمّة الخلق ، ولا يختص بالذهب والفضة ، بل يقال في غيرهما وإن غلب عليهما قال : 2499 - لا درّ درّي إن أطعمت جائعهم * قرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز « 1 » وقال آخر : 2500 - على شديد لحمه كناز * بات ينزّيني على أوفاز « 2 » قوله : وَلا يُنْفِقُونَها تقدّم شيئان وعاد الضمير على مفرد فقيل : إنه من باب ما حذف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير : والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه . وقيل : يعود على المكنوزات ودل على هذا جزؤه المذكور ؛ لأن المكنوز أعمّ من النقدين وغيرهما ، فلمّا ذكر الجزء دلّ على الكل ، فعاد الضمير جمعا بهذا الاعتبار ، ونظيره قول الآخر : 2501 - ولو حلفت بين الصّفا أمّ عامر * ومروتها باللّه برّت يمينها « 3 » أي : ومروة مكة ، عاد الضمير عليها لمّا ذكر جزؤها وهو الصفا . كذا استدل به ابن مالك ، وفيه احتمال ، وهو أن يكون الضمير عائدا على الصّفا ، وأنّث حملا على المعنى ، إذ هو في معنى البقعة والحدبة . وقيل : الضمير يعود على الذهب لأن تأنيثه أشهر ، ويكون قد حذف بعد الفضة أيضا . وقيل : يعود على النفقة المدلول عليها بالفعل كقوله : « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ » . وقيل : يعود على الزّكاة أي : ولا ينفقون زكاة الأموال . وقيل : يعود على الكنوز التي يدل عليها الفعل . قوله تعالى : يَوْمَ يُحْمى : منصوب بقوله : « بِعَذابٍ أَلِيمٍ » ، وقيل : بمحذوف يدلّ عليه عذاب أي : يعذّبون يوم يحمى ، أو اذكر يوم يحمى . وقيل : هو منصوب بأليم . وقيل : الأصل : عذاب يوم ، وعذاب بدل من
--> ( 1 ) البيت ل المتنخل الهذلي انظر شرح أشعار الهذليين ( 3 / 1263 ) الكتاب ( 2 / 89 ) البحر ( 5 / 35 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 35 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 36 ) .